عبد الواحد بن محمد المالكي ( المالقي )

33

شرح كتاب التيسير للداني في القراءات ( الدرر النثير والعذب النمير )

وعمر - : « كذلك أنزلت » ، وقول جبريل للرسول صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف ، فأيما حرف قرءوا عليه ، فقد أصابوا » . وكما دلت هذه الأحاديث على أن القراءات نزل بها أمين الوحي جبريل على قلب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كذلك دلت على أنها مأخوذة بالتلقى والمشافهة والسماع منه صلى اللّه عليه وسلم . ويؤخذ هذا من قول عمر : « فإذا هو - أي : هشام - يقرأ على حروف لم يقرئنيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ، ومن قول هشام لعمر : « أقرأنيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » ، وقول عمر لهشام : « فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت » ، فالحديث قد تكرر فيه لفظ الإقراء ، كذلك تكررت مادة الإقراء في الأحاديث : الثالث والسادس والسابع ؛ مما يدل على أن القراءات إنما ثبتت بالتوقيف والتلقين والتلقي ، والأخذ ، والمشافهة ، والنقل ، والسماع . ويدل أيضا : على أن صحة القراءة متوقفة على التلقي والسماع : قول على - رضى اللّه عنه - للمتخاصمين في القراءة اللذين ترافعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمركم أن يقرأ كل منكم كما علم » . إن تنازع الصحابة في القراءة ، ورجوعهم إليه صلى اللّه عليه وسلم - كما دلت على ذلك الأحاديث المذكورة - لأوضح دليل على أن القراءة ليست موكولة إلى أهوائهم ، ولا مفوضة إلى آرائهم ، فلم يكن أحد منهم يقرأ باختياره ، ولا من تلقاء نفسه ، إنما كان يقرأ ما سمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . إن الصحابة - رضوان اللّه عليهم - كانوا في الذروة العليا دقة وضبطا لألفاظ القرآن الكريم وإحكاما لحروفه وكلماته ، وحرصا على إماطة أدنى تصحيف عن ساحته ، وحسبنا برهانا على ذلك : موقف عمر بن الخطاب مع هشام بن حكيم ، من تلبيبه له ، وأخذه بخناقه ، وسوقه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه سمع هشاما يقرأ بغير الرواية التي تلقاها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان عمر حينئذ لا يعرف أن القرآن أنزل على سبعة أحرف ؛ فاعتقد أن هشاما غير وبدل من تلقاء نفسه ، فلما عرف أن ذلك مأخوذ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأن القرآن قد نزل على وجوه كثيرة يعلمها الرسول صلى اللّه عليه وسلم للأمة ؛ رحمة بهم ، وتسهيلا عليهم - اطمأنت نفسه ، ولم يتعرض بعد ذلك لهشام ولا لغيره ؛ لأن الذي كان يخشاه عمر إنما هو التبديل والتغيير في كتاب اللّه تعالى ، ومعلوم أن سيدنا عمر كان لا يخشى في الحق لومة لائم .